أبي منصور الماتريدي
207
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [ النحل : 64 ] . فالآية صريحة في أن بيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم للكتاب مقصور على الذي اختلفوا فيه دون ما لم يختلفوا فيه . والقرينة الثانية : قرينة حالية تتمثل في واقع القرآن الكريم وأمر من نزل بلسانهم العربي المبين ، فإن واقع أمر القرآن وأمر من أنزل بلسانهم أن فيه كثيرا من البينات ، بل قل بدهية البيان نفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان فضلا عن أهله الخلص ، فلا يسيغ لذي منطق مع هذا أن يقوم صلى اللّه عليه وسلم ببيان أمثال هذه الجليات « 1 » . الوجه الثاني : أننا إذا سلمنا ببقاء ما في القرآن الكريم على العموم الصالح ؛ لأن يندرج تحته جميع اللفظ والمعنى ، فإننا لا بد أن ننظر إلى سياق القول الكريم الذي نزل فيه وحديثه عنه ، وذلك أن قوله سبحانه وتعالى : نُزِّلَ إِلَيْهِمْ صلة ل ما ، فيفيد قطعا أن حديث هذا العموم هو عن المنزل فحسب ، لا عما لم ينزل أيضا . وأقول : عرفنا أن جميع الألفاظ منزل ، وأن بعض المعاني منزل عليه صلى اللّه عليه وسلم وبعضها غير منزل بطبيعة الحال ؛ لأن ما لا تدل على العموم هنا . وأما استدلالهم بما روي عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها ، فهو استدلال لا ينتج المدعى ؛ لأن غاية ما يفيده ، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه ، وهو أعم من أن يفهموه من النبي صلى اللّه عليه وسلم أو من غيره من إخوانهم ، أو من تلقاء أنفسهم حسبما يفتح الله به عليهم من النظر والاجتهاد « 2 » . وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه فمردود بأن العادة إنما جرت باستشراح - أي : طلب شرح - ما يشكل فهمه فحسب ، فأما الواضح الذي لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره ، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد في غير طائل ، وهذا ما لا يمكن أن يفعله صحابة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « 3 » . أما الأثر الوارد فلا يدل أيضا لأن وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على
--> ( 1 ) ينظر : د . إبراهيم عبد الرحمن محمد خليفة : دراسات في مناهج التفسير - الجزء الأول ( ص 223 ، 224 ) . ( 2 ) ينظر : د . الذهبي : التفسير والمفسرون ( 1 / 53 ) . ( 3 ) ينظر : د . إبراهيم عبد الرحمن محمد : دراسات في مناهج التفسير - الجزء الأول ( ص 225 ) .